حيدر حب الله

12

شمول الشريعة

التدخّل التكويني ، وتخطّينا أيضاً فكرة النبوّات بوصفنا مؤمنين بها ، فهذا يعني أنّنا نوافق على التدخّل التوجيهي والإرشادي من حيث المبدأ . وهنا يظهر أمامنا سؤالٌ داخل - ديني ، كأنّه يحاكي ذلك الجدل ثلاثيّ الأطراف ، لكن من وجهةٍ أخرى هذه المرّة ، وهو : ما هي حدود تدخّل الله عبر النبوّات في حياة البشر تدخّلا هدايتيّاً وتشريعيّاً وتوجيهيّاً ؟ هل هو تدخّلٌ شامل بحيث إنّ جميع تصرّفاتنا وسلوكيّاتنا وأفعال جوارحنا وجوانحنا قد تدخّل الله فيها بالهداية والإرشاد أو ما يسمّى بالتدخّل التشريعي أو أنّ هذا التدخّل الذي تعتقد به الأديان المؤمنة بالنبوّات هو تدخّلٌ محدود ؟ ما معنى هذا ؟ وكيف ؟ ارتداد السؤال المركزي : إنتاج ثلاثة فهوم عامّة للدين هذا السؤال البسيط يمكن أن يمثل معضلةً حقيقيّة في فهمنا لدور الدين والنبوّات وفعلِ الهداية الإرشاديّة التي مارسها الله تجاه الخلق . إنّ أوّل معالم هذه المعضلة يكمن في دور القوى المعرفيّة التي مُنحت للإنسان في الخلق ، ما هو دور العقل - مثلًا - في الإرشاد والتوجيه والسير بالبشر نحو الخير والكمال ؟ وهل أعطيت له مساحة لإدارة حياة الإنسان بوصفه نوراً منحناه الله في وجودنا وذواتنا ؟ وإذا كان له دورٌ فما هو ؟ هذا الموضوع يضعنا تلقائيّاً أمام ثلاثة فهوم للدين ، هي : 1 - الدين بحدّه الأعلى أو الدين الأكثري ، وهو الدين الذي يمثل - في رؤيتنا له - أعلى مستوى متصوّر من التدخّل ، حيث يرى أنصاره أنّ الدين أرشدنا لكلّ صغيرة وكبيرة في تفاصيل حياتنا وسلوكيّاتنا ، وأنّه ما من واقعةٍ إلا ولها حكم . بل يذهب بعض أنصار هذا التيّار إلى القول بأنّ أبسط التفاصيل الطبيّة والصحيّة والجزئيات التكوينيّة مختزنة في رسالة السماء لنا ، وأنّ القرآن يحوي جميع العلوم . في هذا الفضاء يمكن الحديث عن فقه النّظُم والنظريّات ، وأنّ الدين يحمل أنظمة تربويّة واقتصادية وإداريّة واجتماعية وسياسيّة شاملة وكاملة ومفصّلة ، وهنا نجد تجلّياً أعلى لمقولة أنّ الإسلام هو الحلّ بعرضها العريض . 2 - الدين بحدّه الأدنى أو الدين الأقلّي ، وهو الذي يرى أنصاره أنّ الدين لم يتدخّل بهذا المستوى الذي يعتبره هؤلاء تغويلًا ، بل مارس تدخّلات محدودة جداً أراد بها لَفتَ انتباه البشر